ابن أبي العز الحنفي

464

شرح العقيدة الطحاوية

الصفات ، التي ورد بها الكتاب والسنة ، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة « 658 » باللّه تعالى . كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات ، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله : إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - ترك التأويل ، ولزوم التسليم ، وعليه دين المسلمين « 659 » . وانظر إلى جواب الإمام مالك رضي اللّه عنه في صفة [ الاستواء ] كيف قال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول . وروي أيضا عن أم سلمة رضي اللّه عنها موقوفا عليها ، ومرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم « 660 » . وكذلك قال الشيخ رحمه اللّه فيما تقدم : « من لم يتوقّ النفي والتشبيه ، زلّ ولم يصب التنزيه » . ويأتي في كلامه « أن الإسلام بين الغلو والتقصير ، وبين التشبيه والتعطيل » . فقول الشيخ رحمه اللّه : لا كأحد من الورى ، نفى التشبيه . ولا يقال : إن الرضى إرادة الإحسان ، والغضب إرادة الانتقام - فإن هذا نفي للصفة . وقد اتفق أهل السنة على أن اللّه يأمر بما يحبه ويرضاه ، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه ، وينهى عما يسخطه ويكرهه ، ويبغضه ويغضب على فاعله ، وإن كان قد شاءه وأراده . فقد يحبّ عندهم ويرضى ما لا يريده ، ويكره ويسخط لما أراده . ويقال لمن تأويل الغضب والرضى بإرادة الإحسان : لم تأولت ذلك ؟ فلا بد أن يقول : إن الغضب غليان دم القلب ، والرضى الميل والشهوة ، وذلك لا يليق باللّه تعالى ! فيقال له : غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب ، لا أنّه الغضب . ويقال له أيضا : وكذلك الإرادة والمشيئة فينا ، فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه ، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة ، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه ، ويزداد بوجوده ، وينتقص بعدمه . فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء ، فإن جاز هذا جاز ذاك ، وثان امتنع هذا امتنع ذاك .

--> ( 658 ) في الأصل : اللائقة بما . ( 659 ) في الأصل : المرسلين . ( 660 ) قلت : لا يصح مرفوعا .